ابن عجيبة

609

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

استمالتهم والإحسان إليهم . أو : لعلهم يعرفون البضاعة ، ولا يستحلون متاعنا فيرجعون به إلينا ، وضعف هذا ابن عطية ، فقال : وقيل : قصد يوسف برد البضاعة أن يتحرجوا من أخذ الطعام بلا ثمن فيرجعوا لدفع الثمن . وهذا ضعيف من وجوه . ثم قال : ولسرورهم بالبضاعة ، وقولهم : هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا ، يكشف أن يوسف لم يقصد هذا ، وإنما قصد أن يستميلهم ويصلهم كما تقدم . الإشارة : قوله : فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ، كذلك أهل الخصوصية من أهل مقام الإحسان ، يعرفون مقامات أهل الإيمان ومراتبهم ، وأهل مقام الإيمان ينكرونهم ولا يعرفون مقامهم ، كما قال القائل : تركنا البحور الزّخرات وراءنا * فمن أين يدرى النّاس أين توجّهنا ؟ فكلما علا بالولي المقام خفى عن الأنام ، ولا يعرف مراتب الرجال إلا من دخل معهم ، وشرب مشربهم ، وإلا فهو جاهل بهم . وقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي : كذلك الحق - جل جلاله - يقول لعبده : ائتني بقلبك ، فإن لم تأتني به فلا أقبل طاعتك ، ولا تقرب إلى حضرتي . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ، وإنّما ينظر إلى قلوبكم ونيّاتكم » . أو كما قال - عليه الصلاة والسّلام - . وقوله تعالى : سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ : كذلك ينبغي للعبد أن يحتال على قلبه حتى يرده إلى ربه ؛ وذلك بقطع العلائق ، والفرار من الشواغل والعوائق ، حتى تشرق عليه أنوار الحقائق . وقوله تعالى : اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ . . . الآية . كذلك ينبغي للواعظ والمذكر أن يبشر الناس ، وينمى بضاعتهم ، وهو : الإيمان والمحبة للّه ومعرفته ، ويجعلها في قلوبهم بحسن وعظه ، ونور حاله ، فيكون ممن ينهض الناس حاله ، ويدل على اللّه مقاله . ولا يقنط الناس ويفلسهم من الإيمان والمحبة ، بل ينبغي أن يجمع بين التبشير والتحذير ، والترغيب والترهيب ، ويغلب جانب الترغيب بذكر إحسان اللّه وآلائه . . لعلهم يعرفون ذلك إذا انقلبوا إلى أسبابهم ، لعلهم يرجعون إلى اللّه في غالب أحوالهم . وباللّه التوفيق . ثم ذكر رجوعهم من مصر إلى أبيهم ، فقال : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 63 إلى 67 ] فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 63 ) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 64 ) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ( 65 ) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ( 66 ) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 67 )